|
حوار: هدى الأسير
في ثورةٍ دائمة على الواقع الغنائي القائم في لبنان، فبعد أزمة العلاقات
بينه وبين أسامة الرحباني، ها هو يضع حداً لأي وساطة للصلح بينهما. يجدد
اعتراضه الحازم على غناء الفنانين اللبنانيين باللهجة المصرية، ويعتبر أن
معظم من يغني في لبنان لا يصلح لأن يكون أكثر من "كورال".
وإذا توسع "بيكار" الحديث ليتناول شركات الإنتاج، يرفع من سقف كلامه، ويصل
به الأمر الى حد اتهام "روتان" بالسرقة. ولا يكتفي بذلك، فلملحم زين ونانسي
حصة "كافية ووافية" من النقد اللاذع. الموسيقار ملحم بركات يفتح مع "سنوب"
أبواب الخصومات القديمة، ويشرّع أخرى جديدة، فماذا يقول، وأيّ سجالات وردود
سوف يواجهها!
في
مزرعته في بلدة كفرشيما على تخوم العاصمة بيروت، التقيناه في حوار طويل،
وصريح كالعادة، تحدثنا فيه عن كل شيء، وبين كر وفر وانفعالات ومحطات
ذكريات، فيها الحلو والمر، وعلى وقع زقزقة الحساسين المتحيز لوجودها في
مزرعته، رافضاً "جيرة" عصافير أخرى من نوع الكنار، كان اللقاء الذي بدأ
بسؤال عن جديده فقلنا له:
تطل بمسرحية جديدة من بين أعمدة بعلبك، ما هو شعورك
اليوم؟
ـ لا أنكر خوفي منها. فبعلبك ليست سهلة بل خطيرة ومخيفة، وأنا من
الفنانين الذين يفكرون في الفشل قبل النجاح.
"ومن الحب ما قتل"، لماذا تأخرتَ وغسان الرحباني في
عرضها سنوات؟
ـ ثمة ظروف حالت دون ذلك في وقت لم تكن فيه منجزة، وربما يصح القول
اليوم، كل تأخيرة فيها خيرة.
أعلنت منذ فترة اعتزالك، ثم عدت عنه بعد تدخّل
وسطاء، كيف أقنعوك بالعدول عنه؟
ـ كان قراري جدياً وحاسماً، لكن عندما وجدت تضامناً من الناس بهذا
الشكل، أعدت حساباتي.
اتهمك البعض بأنك سعيت من خلاله الى إثارة زوبعة
و"بروباغند" إعلامية.
ـ أعتبر الذي كتب هذا الكلام صحافياً قذراً. عموماً، أنا لا أدخل في
متاهات، وقد وصفني أحدهم مؤخراً بأني "موسيقار الشتائم"، فبماذا أرد؟ وثمة
مجلة تسبّني منذ نحو ست سنوات بدون توقف، وأنا أتساءل ألا ينام من يكتب عني
فيها أو ينساني حتى؟ لكن، من المؤكد أن وجودي يؤرقه.
ما الذي دفعك إذاً، الى اتخاذ قرار الاعتزال؟
ـ لأني لست سعيداً لا بالصحافة، ولا بأجواء الفن. تخيلي مثلاً أنه
في مصر تذاع أغنية أو اثنتان لبنانيتان في الشهر، بينما تشكل الألحان
المصرية عندنا أغلب الموجود.
لا يمكن أن تنكر وجود 80 مليون مصري، يشكلون قاعدة
جماهيرية عريضة وهامة بالنسبة الى أي فنان؟
ـ لماذا نختبئ وراء أصابعنا؟ فالمصريون لا يطيقون هؤلاء ولا
يحبونهم. أنا فنان وأعرف حتى لو باض أحدهم في "حرج"، وأعرف ماذا أقول وما
يدور في الساحة الفنية. المصريون والخليجيون يحبون اللهجة اللبنانية... هذه
سياسة وليست فناً.
إذا سلمنا بأن ما تقوله صحيح مئة في المئة، فلماذا
لم تنجّم نانسي إلا عندما غنت بالمصرية؟
ـ أول ما طلعت أحبها الناس، وكانوا سعداء بها. لكن اليوم الذوق
يعاني مرحلة هبوط، وما من أحد يحافظ على النجاح الدائم طوال العمر. عبد
الوهاب، أم كلثوم وفريد الأطرش مروا في محطات جمود. نانسي نجّمت بالمصري...
شو هالكذبة... نانسي ضربت بالأغنية اللبنانية... يقولون إن الفن ليست له
هوية، ما هذا الهراء؟ كيف نجّمت فيروز التي أمضت عمرها بالغناء اللبناني في
وقت كان يعشقها 90 في المئة من الجمهور المصري، ما هذا المنطق؟ لماذا نجحت
أنا ونجوى كرم ووديع الصافي.
هناك بعض المآخذ عليك، فكثر يطلبون منك ألحاناً، ولا
تلبي رغبتهم؟
ـ سمّي لي واحداً؟
ملحم زين مثلاً؟
ـ إن كان يعتقد أنه مطلوب من الملحن والشاعر أن يركضا خلفه، فهو
مخطئ. هو من يجب أن يسعى وراءهما. هذه هي الأصول. ومثلما يتودد إليه
المتعهدون للاتفاق على حفل، يجب أن يسعى هو وراء الأغنية الجميلة، لأنه من
غير المنطقي أن يجدها وهو جالس في المنزل، واضعاً رِجلاً فوق رِجل. من يأتي
إليه أو الى غيره عارضاً كلمات أو لحناً، تاجر وليس ملحناً أو شاعراً.
عموماً، هو لم يطلب مني يوماً أن ألحّن له، وإذا حصل فقد يكون أبدى رغبة في
الغناء من ألحاني، وهذا ليس عملاً جدياً، لأنه يجب أن يقصدني حاملاً مجموعة
من القصائد، نختار من بينها ما يناسبني لألحنه.
أنت لا تتعاون مع فنان لا تقتنع به؟
ـ هذا هو الصحيح. وكانت لي تجربة لحنت فيها بدون حساب، لكني ندمت
عليها، لأن البعض لا يعرف كيف يوصل اللحن مهما كان جميلاً ومهماً.
لماذا لا تطلق أكثر من أغنية أو اثنتين في العام؟
ـ لمن؟ للحرامية! هذا نموذج مما يحصل في السوق، ولا يفيدني تجارياً
في شيء.
هذا ما يمكنه أن يقنعك أكثر بالانضمام الى شركة
إنتاج؟
ـ لا يوجد منتج واحد قادر على ضبط الموضوع! الأمير الوليد بن طلال
نفسه يئن من الحرامية، لأن موضوع السوق فلتان في جميع الدول العربية ماعدا
الخليجية فقط. هذا ما يجعلني أتأنى في تقديم أعمال جديدة، باستثناء ما
يحافظ على وجودي وحضوري في الساحة الفنية، ويُبقيني قبلة للمتعهدين لإقامة
الحفلات فقط، وربما للاستمرار إعلامياً أيضاً، لأنه ما من صحافي أو إذاعي
يتصل بي إذا أعرضت عن تقديم أي عمل جديد، حتى ولو طال غيابي أربع سنوات.
وأنا أتحدى من يقول عكس ذلك، لأن الفنان الناجح هو الموجود بعمل. وللدلالة
على ذلك، عندما ضربت أغنيتي الأخيرة تذكرني كثيرون من الإذاعات والمجلات،
ومنهم من أقفلت الخط في وجهه، وبعضهم شتمته.
لماذا؟
ـ لأن ملحم تاريخ فني، فهل من المعقول ألا يتذكروه إلا بصدور عمل
واحد؟
لكن، لا يمكن أن تنكر تقصيرك تجاه الإعلام؟
ـ من قال ذلك؟ ثمة برامج تستضيف كل يوم فناناً، وها قد انتهت فترة
عرض أغنيتي ولم يتصلوا بي، هل يمكن أن تقولي لي لماذا؟
وثمة أخرى لم تقبل أنت "ضيافته"!
ـ لأنه لا يمكن أن أرضى بأي برنامج، لكن إن غاب الفنان سنتين، فهل
يمكن أن ينسوه؟ أحدهم مر على وجوده في الساحة الفنية نحو 40 عاماً، لم
يذكره أحد. واليوم، بعد أن ضربت أغنية أو اثنتان له، تهافت عليه الجميع.
هذا يؤكد أن العمل الناجح يكمل موهبة الفنان ويثبت
حضوره، وهو ما يجب أن يحفزك على أعمال جديدة؟
ـ في ظل "القرف" الموجود؟ أنا أعرف رئيس عصابة السرقات والمافيات
الفنية في لبنان ألقي القبض عليه مئة مرة، وكان يخلى سبيله بعد تدخل
الوساطات. فهل هذا منطق؟ هل يُعقل أن يحظى فنان بالملايين، ولا يمتلك آخر
إلا قوته. إذاً، فلنشرّع السرقة، وليتم الاتفاق مع صاحب الأغنية الناجحة،
إذا باعت مثلاً بمئة ألف دولار، على أن يُعطى ربعها.
هل لذلك لم تثمر المفاوضات مع روتانا؟
ـ لم يكن في الإمكان أن تنجح. فهل تمكن مفاوضة "حرامي"؟ تماماً
مثلما يحصل في لبنان، اللي عم يزبطوا الوضع فيه حرامية، فكيف يمكن أن يصلح
حاله. شو هالكذبة!
"خبيط ودبيك"
أنت ناقم على الفنانين عموماً...
ـ (يقاطعني): أين هم الفنانون؟ لا يجب أن نتكلم على شيء غير موجود.
في لبنان ثلاث أو أربع مواهب حقيقية، والباقون يمكن أن نسمع من بعضهم نصف
أغنية. فهم يصلحون لأن يكونوا "كورال" ليس أكثر. وثمة من لا يجب أن يغني
أبداً. أحدهم يحبه الناس كثيراً، لكني شخصياً لا أطيق أن أسمع صوته. صحيح
أن ألحان أغانيه جميلة، لكن لا يمكن سماعه.
من هو؟؟
ـ لا أريد الدخول في متاهات الأسماء.
لديك عقدة نقص تجاه الآخرين؟
ـ هل سمعت أني تهجمت يوماً على ماجدة الرومي أو فيروز ونجوى كرم، أو
إليسا ونوال الزغبي. هل قلت عن إحداهن إن صوتها ليس جميلاً؟
صرّحت بأن إليسا تجيد الأداء وليس الغناء؟
ـ في الفن لكل واحد خصوصية، فهل يشبه صوت صباح فيروز؟ نجوى كرم تملك
شخصية خاصة ومميزة في صوتها، وكذلك إليسا. وهنا عظمة الصوت والنجاح. نسمع
نحو 30 فنانة بدون أن تختلف أغنية عن الأخرى، علماً بأني فنان وقادر على
التمييز، لكني لا أستطيع أن أفرّق، خصوصاً أن اللون واحد، والألحان واحدة،
و"خبيط ودبيك". هم يظنون أن الإيقاع السريع هو الذي يُنجح الأغنية، بينما
"يا عين موليتين" كسرت الأرض في أبطأ إيقاع.
على ذكر الإيقاع، أسامة الرحباني قال إنك بقيت في
إطار غنائي واحد ألحانه متشابهة؟
ـ ولماذا لم يخرج هو من أجواء والده وعمه التي بقيت ذاتها 40 عاماً؟
فيلمون وهبي هو الذي كان يُدخل التغيير الى أعمالهما. أنا قدمت نحو 3000
أغنية لم أكرر نفسي في أي منها. حتى تلك التي أؤديها، لكل منها قصة تسيّرني
في الألحان والأداء. لذلك أقول إن الشاعر هو أساس التغيير، وهو الذي يوحي
للملحن بما يتناسب والكلام.
هل ستتصالح قريباً معه؟
ـ لا مجال للصلح معه.
هو لم ينكر عليك موهبتك ولم يتناولك بسوء، لكنه
استاء من كلامك عن والده؟
ـ أنا لم أتحدث عن أبيه بسوء، ولم أقل إنه ليس مهماً. كل ما قلته إن
عاصي كان أهم، و"دينامو" بيت الرحباني. فهل في كلامي ما يزعجه؟ بالعكس، كان
يجب أن يفرح بشهادتي عن عمه. فإن قلت إن أسامة يفهم في الإخراج أكثر من
مروان، أو إن لديه أفكاراً متطورة أكثر منه، فهل يجب أن ينزعج الأخير؟
بالعكس، عليه في هذه الحال مراجعة حساباته وإصلاح الخلل الذي جعل أخاه أفضل
منه، وأن يسعى الى تطوير نفسه بدلاً من أن يرد عليّ أو يفتعل معي مشكلة.
بأمانة، ألم تشعر يوماً بالغيرة من عاصي ومنصور
و"الإمبراطورية الرحبانية"؟
ـ أبداً، لم أفكر يوماً على هذا النحو، لأني أعرف تماماً أنه لا
يمكن أن أصل إلى مستواهما. أنا إنسان أعرف حدودي. فهما لديهما "ملكة" الشعر
واللحن، ومعهما فيروز أيضاً. فكيف أغار منهما؟
أنت تنتقد الجميع، فهل تتقبل أن يبادلك أحد الأمر
ذاته؟
ـ ولمَ لا؟ من يستطع ذلك فليفعل، فهذا ليس عيباً. عندما لحنت أغنية
"بدك مليون سنة" همس موسيقي في أذني أن مقدمتها تشبه أغنية لفنان آخر،
وعندما تأكدت من الموضوع، غيرتها. فهل كان علي أن أضرب هذا الشخص الذي
نبهني الى الموضوع؟ أنا أتقبل الانتقاد من الصغير والكبير، بشرط أن يكون
موضوعياً.
لماذا يخاف منك كثر؟
ـ يخشاني من لا يفهمني فقط.
ولأنك تنفعل بسرعة؟
ـ من قال ذلك، أنا أرفض الخطأ، ولست سريع الغضب.
بل لا تستطيع السيطرة على أعصابك.
ـ أين رأيتني كذلك
مع نيشان في رمضان الماضي، كنت الوحيد الذي استضافه
مرتين في برنامجه، لأنك فقدت السيطرة على نفسك في الحلقة الأولى؟
ـ شو بدك بنيشان، كانت مشاركتي معه أكبر غلطة في حياتي. حاولوا
إسقاطي في "جورة وسخة" لضرب وائل كفوري. كانت هذه قضيتهم الأساسية.
كان يجب أن تلجم أعصابك في الاستديو؟
ـ كيف، وهو يحاول أن يستفزني على الهواء مباشرة؟
وأنت لا تعرف كيف تكون دبلوماسياً؟
ـ ومن قال ذلك؟ ما أوصلني الى النجاح هو دبلوماسيتي، لكن ماذا أفعل
إذا ظل أحدهم يلاحقني بفلان وفلان وفلان؟ وآخرتها: فلتذهب الى الجحيم أنت
وفلان.
تحب وائل؟
ـ ما تسبقي الحديث. أنا لم أقل إني أحبه. روقي، عندما شعروا بأني
أتحدث لمصلحته، لم يشأ نيشان ومن وراءه في غرفة الكونترول أن يأتي الكلام
عنه إيجابياً. كانوا يريدون مني أن أنزل فيه "طأ طأ ط"!
وفارس كرم؟
ـ أحب صوته، وهو يعرف كيف يختار أغانيه، وأنا أتمنى أن يستمر مع
المجموعة التي يتعاون معها لتقديم هذا اللون.
في النهاية، وبصراحة أشعر بأنك جبار أحياناً وفي
لحظات أخرى قليلة تفيض حناناً، فأيهما أنت؟
ـ حنون الى أقصى درجة، ولا يوجد أحن مني على وجه الأرض، لكني في
المقابل صاحب مواقف قاسية جداً في مواجهة الخطأ. ولعلمك، هتلر نفسه الذي
دمر نصف أوروبا، كان يحب!
حب المرأة أمر مختلف؟
ـ الرجل القاسي لا يُغرم، والبخيل أيضاًً لا يمكن أن يحب، أو يتزوج.
أنا أعرف بعض الملحنين البخلاء ممن يقسمون اللازمة الجميلة الى اثنتين
ليصنعوا أغنيتين بدلاً من واحدة.
وأنت كريم في ألحانك؟
ـ جداً.
لأنك تأخذ مقابلاً مرتفعاً؟
ـ أبداً، وأتحدى من يقول إنه دفع لي ثمناً غالياً، بل أعتبر البدل
الذي أتقاضاه تكريماً لا أكثر.
متى ستكتب قصة حياتك؟
ـ أنا في صدد تسجيلها على شرائط، بالكلام، وأنجزت جزءاً مهماً منها.
سيُحدث إصدارها صدمة، وكوارث؟
ـ الى حد كبير! وقد وصفها الراحل جورج ابراهيم الخوري بأنها أخطر
قصة حياة سمعها في حياته. واتصل به عدد من الفنانين والفنانات لإقناعي كي
لا أتحدث في التفاصيل، وكنت آنذاك بصدد الإعداد لنشرها في مجلة الشبكة،
لكنني عدلت عن قراري هذا لأسباب مادية، وعندما أنوي نشرها، سأعطيها لجمعية
خيرية كي تستفيد من مردودها
hoda.asir@snobgroup.com
أعلى الصفحة |