|
تعبر سيارات البنات في الشوارع، ترفرف عليها أعلام البلدان التي يشجعن
فرقها في المونديال.
في الساحات العامة والطرقات والمقاهي، بل في البيوت وأينما كان، تعلو صيحات
البنات، ربما أكثر من أقرانهن الشبان لحظة تسجيل الهدف: غوووووووول...،
وتطغى أصواتهن على صوت المذيع والمعلّق الرياضي بالطبع، ويقفزن من أماكنهن
مهللات لأي فريق يشجعنه.
وعلى الشاشات التي تنقل تفاصيل المباريات، نشاهد وجوه الفتيات الحاضرات
المونديال، مزينة بألوان أعلام فرقهن وقمصانها. يقمن ويقعدن كأقرانهن من
الذكور. والغالبية من الفتيات، أينما كن، يبدين منخرطات في فعل شعبي، حيث
الروح الرياضية هي الأساس. وكل متابع للمونديال أو محايد، يلحظ كم صار
جمهوره من البنات واسعاً وكبيراً.
لم تعد هذه اللعبة التنافسية الذكورية في الأساس، حكراً على الذكور. فجمهور
المشجعات والمتابعات والمتحمسات بات حاضراً في العالم كله. ولمَ لا؟ ما
دامت هذه الرياضة الشعبية ممتعة، وما دامت تشجع مثل غيرها من الرياضات على
الروح الرياضية، وعلى ثقافة الفوز والانتصار والتفكير وسرعة البديهة
والتخطيط والتركيز والخطة والتكتيك والقوة والذكاء، وكل ما تطرحه فلسفة هذه
اللعبة الممتعة؟ وأيضاً لمَ لا، والبنات في المدارس والجامعات وأماكن
العمل، بل في جميع شؤون الحياة، بتن الفائزات في الحقول والمجالات التي
ينتمين إليها؟
لقد اكتسبت مباراة كأس العالم بمرور السنوات، صيغة الحدث العالمي، الذي
يجتمع عليه الكون كله لمتابعة تفاصيله، حتى الفتيات اللواتي لا يتابعن
مباريات كرة القدم، لا يستطعن تفويت فرصة مشاهدتها، الى درجة أن بنات
عاديات صرن بمتابعتهن الدقيقة للمباريات، قادرات على تقييم مجرياتها
ومهارات اللاعبين بطريقة تنافس أعتى المحللين الرياضيين!
أنا شخصياً لا أتابع مباريات كرة القدم إلا في المونديال، ليس لأنها تنتمي
الى الألعاب الذكورية، بل لعدم وجود هوس جنوني لديّ بالرياضة. أيام
المونديال، أستعيد حماستي، ربما لأن العالم كله تسوده حالة من الحماسة بسبب
حمّى التنافس بين الدول للفوز بالكأس.
يُشعرني المونديال بأنني أنتمي الى حركة الجموع والى البشرية. أجد نفسي
منضمة الى روح التنافس بين هذا الفريق أو ذاك. وأشعر بجمال الانضمام الى
الآخرين في الرياضة وحدها، في حين ينتفي هذا الإحساس في أمور كثيرة أخرى،
حيث لا أميل الى شعور القطيع في السياسة وغيرها! والحقيقة أني أشعر بمتابعة
المونديال بمتعة لا حدود لها، وأجد ذاتي منغمسة في الحماسة الى ما فوق
أذنيّ. تذهلني فلسفة هذه الرياضة ومنطقها، وتكون متعتي كبيرة وأنا أتأمل
حركة هذا اللاعب أو ذاك، وخصوصاً لحظة انتشاء تسجيل هدف، أو حين يسوده حزن
الفشل. كما أعجب من قدرة اللاعبين الهائلة على إدارة الرؤوس وجذب الملايين
من الناس. كرة القدم قادرة بلا منازع على الولوج الى قلوب جميع المشاهدين
والمشاهدات. كما أن المونديال يخلق حالة من الهستيريا الجماعية التي تجعل
الجموع تنفّس عن غضبها وفرحها وحزنها ويأسها وعنفها عبر التنافس الرياضي
والتماهي مع اللاعبين الذين ينتمون الى هذا البلد أو ذاك.
في المونديال، يحظى كوكبنا بإجازة من همومه الكبيرة والصغيرة، ويصير العالم
منخرطاً في فعل شعبي يجسّد الروح الرياضية، ومنقسماً بين رابح وخاسر.
وما أحلاهن البنات وهن متحمسات ومتابعات. ولمَ لا، والشاشة العملاقة ترتسم
عليها المشاعر البشرية بكل ما فيها من نشوة الانتصار وألم الفشل والخيبات؟
وبكل ما في لعبة الفريق من معنى التناغم والتنسيق وروحية العمل الجماعي
ووضع الاستراتيجية، وكذلك التكتيكات الإضافية لتحقيق الفوز؟ وفي المقابل،
تبرز في قوانين اللعبة، الصراعات بكل ما فيها من وجوه وممارسات. عالم
الفوتبول فلسفة كاملة وشعر ومسرح ولوحات فنية للاعبين. والكرة المستديرة
المنتفخة بالهواء هائمة في الملعب، والأجساد تتراكض، لإصابة الهدف. اللعب
أشبه بعرض موسيقي أو رقص بالأقدام، وتشكيل وإعادة تشكيل في فضاء يتحرك فيه
اللاعبون وفق قوانين اللعب للحلم بالفوز والانتصار.
كم يشبه الفوتبول الكرة الأرضية، والحرب هنا جميلة بحثاً عن انتصارات،
وخوفاً من هزائم وإخفاقات أو حظ متعثر. كرة مطاطة تمتص الغضب والحماسة،
والفريقان المتخاصمان في جولات تستنهض صيحات البنات أيضاً، وتصير أشبه
برياح الزواج مع كل ركلة جديدة للفوتبول الذكي والشاطر، وحيث يكون كل شيء
ممكناً وغير ممكن. حرب المونديال ليس فيها إراقة دماء أو معسكرات تعذيب أو
احتلالات أو إرهاب ومتفجرات وشرور. لكل خياراته وأهواؤه حيث تختلط الأوراق
وتسود ديموقراطية الانحياز حتى ضمن أفراد العائلة الواحدة. وفي المونديال
هذا ما يشجع ثقافة الاختلاف خارج اصطفافات السياسة المعهودة، والقوة هنا
ليست حكراً على دولة كبيرة، القوة لها منطق آخر. فلمَ لا يكبر جمهور
البنات، ومعهن أصرخ لفريقي الذي أنحاز إليه لحظة إصابته الهدف: غووووول!
أفعل ذلك وأنا أقفز عن الكنبة، وأفرح حين ألمح بريق عيون لاعبي المنتخب
الفائز، وشيء ما يحفّزني على المتابعة.
علوية صبح
أعلى الصفحة |
|
Snob 192 - July 2010
Snob Magazine -
Copyright
©
2002
- 2010 - All rights reserved
- Webmaster:
Roland Aboujaoude
/ Architect
Best Viewed with
Internet Explorer - 1024x728 Resolution
Powered by
Medianetworklb |
|
|
المديـــر العـــام: فريد الصايغ
مــــــــديـــــر العمـليــات
جوزف دكاش
المــــــــديـــــر المـالــي والإداري
آلان غميقه
رئيسة التحريـــــر
علويــــة صبــح
نائبا رئيسة التحرير
بسام سامي ضو ـ فريال ملكو
مديرة التحرير
ليلى رحيّل
سكرتير التحرير
فؤاد زعيتر
المـــــديـــــر الفنــــي
فوزي حلاوي
المديـــــــر المســــــؤول
د. أنـــور خطـــار
هيـئة التحريـر
يمنـى الصايـــغ، زيزي طويل،
سمية الصايغ، تغريد حامد،
هدى الأسير، إنعام شديد،
كارمن شمعون، تانيا زهيري
الإخــــراج الفنــــــي
مايا علايلي
ريتا عازار
نزار عبد الحليم
سلام غملوش
مسؤولة قسم الأزياء
سهى أبوعبد الله
التدقيق اللغوي
ندى حمزة عوّاد
أرشيف
دلال رحيّم
تنضيد إلكتروني
رندة توبة شحوري
التصــويــر
بيروت: طوني كرم، دافيد عبدالله،
حسن جوني، جوزيف أبو جودة. |
|
|
| |
| |
|