|
في غرفة الجلوس راحت تحدق في مرآة مثبتة الى جانب حائط، وتتأمل تفاصيل
وجهها الذابل ولونها الذي بدا باهتاً من الانتظار. انتظار ماذا؟ لا تعرف.
ربما انتظار رجل الأحلام الذي طالما حلمت بأن تلتقيه وتتبدد وحدتها. شعرت
بالاختناق وهي تتأمل المرآة. فكرت لو أنها تقوم وترتدي أحلى الثياب وتخرج،
فلا شك في أنها ستخلب الألباب وتدير الرؤوس لتدب الحياة في أوصالها، وقد
تلتقي رجل أحلامها الذي لا يفارق خيالها.
تركت المرآة في غرفة الجلوس واتجهت الى غرفة النوم لتجهز نفسها للخروج.
تنهدت تنهيدة عميقة قبل أن تفتح أبواب خزانتها بقوة كادت معها تخلعها.
تناولت قطعة ثياب وراء أخرى. وراحت تضع كل واحدة على جسمها للحظات، تتمايل
فيها، ثم ترميها على السرير. الخيار صعب! فأي رداء أنسب وأجمل؟ ضاعت في
الاختيار وكرهته، فهي لم تكن ترتدي أياً من تلك الملابس الجميلة الباهظة
الثمن لأنه لم يحدث أن تحقق موعد غرامي مع الرجل المنتظر الذي تريد أن
تلبسها له. ولطالما فكرت في أنها لن ترتدي الثياب الجديدة هذه إلا لرجل قد
تلتقيه يوماً ما ويطير إعجاباً بها. تلبسها له وتتمايل أمامه ليراها أجمل
امرأة في العالم.
عادت وسحبت الفيزون الذي تلبسه دوماً، وارتدت فوقه بلوزة رمادية اللون.
نظرت في المرآة الطويلة التي ثبتت داخل باب الخزانة، فرأت أنها لن تناسبها
اليوم، لأن وجهها شاحب اللون، فعادت وفكرت في أن عليها أن تلبس أحلى ثيابها
اليوم لأن قلبها ينبئها بأنها قد تلتقي فارس أحلامها.
جرّبت أثواباً كثيرة، وصبّرت كل ما أعجبها في كومة على السرير، لكن الخيار
كان صعباً. وبعد محاولات تجريب، لمعت في رأسها فكرة: لماذا لا تلبس الفستان
الأصفر اللون، القصير الطول والضيق السكسي؟ ربما لفتت وهي ترتديه الأنظار
كلها. وربما الفيزو الذي تلبسه كل يوم هو ما يعيق تحقيق حلمها المنتظر؟
اقتنعت بارتداء الفستان الأصفر، لكنها عادت واحتارت بينه وبين الفستان
الموف، ولكن، آه، كم تكره مواقف الحيرة هذه، حيث تعلق في أزمة الخيارات
التي يصعب تخطيها. استدعى منها هذا الخيار الصعب أن تنادي على شغالتها
الفيليبينية لتأخذ رأيها، وربما ترشدها الى الخيار الأنسب. ثم غيرت رأيها
وعادت وارتدت فستانها الأصفر، وتأكدت من مرآتها وهي تدور أمامها في
الاتجاهات كلها، أنه سيجعلها تبدو كوردة سائرة على الرصيف، تخلب الألباب
بأوراقها ولونها ورائحتها. عقدت يديها فوق صدرها أمام المرآة، وعادت
وأنزلتهما بعدما تأكدت من أنها مهضومة بفستانها الذي تبدو فيه كاللعبة.
تناولت حقيبتها وتطمنت الى أن السليولير معها، ثم عادت وسرقت نظرة الى
نفسها، وغمزت حالها في المرآة بعدما تيقنت من أنها تتدفق جمالاً، وسوف تجذب
الجميع، وتنهال عليها نظرات الإعجاب وكلمات الإطراء، كما تتدفق مياه النهر
الى الوديان وتجرف الحصى والرمال معها.
في المصعد وهي تنتظر وصوله الى مدخل المبنى الذي تسكنه، أعادت تصفيف شعرها
في المرآة، وتطلعت الى طرفي "الآي لاينر" حول عينيها لتتأكد من أنها
رسمتهما بالطول نفسه حول كل عين. أعجبها اللون الداكن لمرآة المصعد، وفكرت
لو أنها تستبدل مرايا غرفة نومها بأخرى داكنة أيضاً تخفي العيوب في الوجه.
وما إن خرجت من المصعد وانطلقت منه في مدخل البناية، حتى اصطدم نظرها
بالمرآة المثبتة على أحد جدرانه. عادت وتفحّصت خيالها فيها لتتأكد من
جمالها قبل أن تخرج نهائياً الى الشارع.
مشت في الشارع على حافة الرصيف وهي تترنّح بجسدها وتتلوّى ببطء، وقدماها
تدوسان بلطف ونعومة على أحجار الرصيف كأنها تحسب نفسها فراشة تطفو على
الطريق فتدور عيون الناس عليها وتشدّهم بجمالها الى سحرها.
"يا لطيف كيف كل الناس عم يطلعوا فيّ"، قالت في سرها، ثم أضافت: فظاعة، كيف
ما في حدا عم يتجاهلني. أكيد إني أحلى وحدي بالطريق، ويمكن بالعالم كله.
تابعت سيرها، وهي تفكر في أن عيون الشباب والعجائز والنساء تلاحقها، وأن
اللواتي ينظرن إليها يتمنين أن تكون لهن وجوه جميلة مثل وجهها المليء
جاذبية وشباباً وجمالاً. خيالها تاه عن رجل الأحلام، راحت تتخيل أن جميع
العيون تلاحقها. وحين وقعت نظراتها على رجل هرم ذي شعر أبيض شائب يقود
سيارة مرسيدس عمومية وينظر الى جانب الطريق متأففاً بسبب أزمة السير
الخانقة ولا يفكر إلا في عدد الزبائن الذين سيركبون بسيارته ويرزق منهم بضع
ليرات، التقت عيناها لحظة بعينيه، فقالت في سرّها إنه أكيد يتحسر عليها.
وجزمت بأنه اليوم سيتخانق مع زوجته في البيت، وإنها هي السبب. ثم أضافت في
سرها:
ـ يا ربي، قدّيش الحياة غريبة، والحلوين شو بسببوا مشاكل بدون ما يحسوا.
قلبها ضحك وانتعش بغبطة علت في صدرها، وهي تمشي. وازدادت ثقتها بنفسها وهي
تسير كما لو أنها عارضة أزياء شهيرة، لكن الناظر إليها لم تفته رائحة
الوحدة التي كانت تفوح من جسدها وتتشبث به كما يلتصق به فستانها.
رائحة وحدتها كانت تلاحق أنفها وهي تمشي، لكنها كانت تهرب منها، وهي تعتقد
أن نظرات النساء الحسودات تلاحقها أيضاً في الطريق، وترمقها بعيون تشع منها
الغيرة.
أعلى الصفحة |
|
Snob 188 - March 2010
Snob Magazine -
Copyright (c) 2002
- 2010 - All rights reserved
- Webmaster:
Roland Aboujaoude
/ Architect
Best Viewed with
Internet Explorer - 1024x728 Resolution
Powered by
Medix
- Toronto - Canada |
|
|
المديـــر العـــام: فريد الصايغ
مــــــــديـــــر العمـليــات
جوزف دكاش
المــــــــديـــــر المـالــي والإداري
آلان غميقه
رئيسة التحريـــــر
علويــــة صبــح
نائبا رئيسة التحرير
بسام سامي ضو ـ فريال ملكو
مديرة التحرير
ليلى رحيّل
سكرتير التحرير
فؤاد زعيتر
المـــــديـــــر الفنــــي
فوزي حلاوي
المديـــــــر المســــــؤول
د. أنـــور خطـــار
هيـئة التحريـر
يمنـى الصايـــغ، زيزي طويل،
سمية الصايغ، تغريد حامد،
هدى الأسير، إنعام شديد،
كارمن شمعون، تانيا زهيري
الإخــــراج الفنــــــي
مايا علايلي
ريتا عازار
نزار عبد الحليم
سلام غملوش
مسؤولة قسم الأزياء
سهى أبوعبد الله
التدقيق اللغوي
ندى حمزة عوّاد
أرشيف
دلال رحيّم
تنضيد إلكتروني
رندة توبة شحوري
التصــويــر
بيروت: طوني كرم، دافيد عبدالله،
حسن جوني، جوزيف أبو جودة. |
|
|
| |
| |
|