|
ثمة وظيفة أخرى للوجه ابتكرها الإنسان لنفسه، مذ اخترع المرآة،
صدفة ربما أو انتقاماً من تموجات صفحة الماء. فلو عدنا الى الطبيعة ومشيئة
الخالق لوجدنا، أنه سبحانه وتعالى، قد خص الوجه بالعينين بما يعني بداهة،
حرمان الإنسان وبقية المخلوقات من تأمل وجوهها.
فالإنسان كما بقية المخلوقات، يستعمل عينيه لتأمل المحيط بها وأجزاء كثيرة
من جسده، باستثناء وجهه. حكمة تدعو للتساؤل: لماذا حرمان الإنسان من تأمل
وجهه؟ واستطراداً، ماذا يبقى من الوجه لو استثنينا منه بريق العينين؟
كيف يمكن تصور إنسان يرى وجوه الناس حوله ولا يرى وجهه؟ هل يعني ذلك أن
المطلوب أن يراه من خلال الآخرين ونظراتهم إليه؟ هم يطمئنونه الى جماله،
ولون عينيه، وسحر ابتسامته، أو ربما يثيرون شكه بنفسه من خلال صمتهم أو
وقاحتهم؟
ألا يلعب الناس في هذه الحالة دور المرآة من خلال نظراتهم وتعليقاتهم،
والإنسان عاجز عن تصحيحها، نقضها أو تثبيتها بالبرهان الأكيد؟ وماذا لو كذب
الناس؟؟
الناس باختراعهم مرآة من زجاج، استعادوا حقهم بوجوههم، وقد باتوا قادرين
لأول مرة على تأملها مباشرة بلا حاجة لجدول ماء ولا لأحد قريباً كان أم
بعيداً، وهكذا تحرروا من الآخر، وباتوا سادة أنفسهم ووجوههم التي صارت في
متناول أيديهم ونظراتهم.
لكن، ماذا لو كذبت المرآة؟
بل، وماذا لو صدقت؟ وهي تصدق أحياناً، وتكذب أحياناً أخرى. النتيجة واحدة
في كلا الحالتين، فالوجه غادر براءته الى غير رجعة، وقد حولناه قناعاً
نلونه، نشذبه، نجمله، نشده الى فوق أو الى تحت، نهندسه كما لوحة رسام أو
منحوتة فنان.
تروي الأسطورة قصة نرسيس الذي ما إن رأى صورته منعكسة على صفحة ماء حتى وقع
في غرام نفسه. في هذي الأيام صار داخل كل واحد منا "نرسيس" نحدق في المرآة
كل صباح، تحدق فينا بدورها. نلومها، تلومنا، نبتسم لها، ترد الابتسامة
بمثلها، نغرم بها، نعشقها، وأحياناً كثيرة نهرب منها نكرهها أو نكسرها، ولا
أحد يشعر في داخله بأنه يرتكب معصية، وأن الخالق لم يمنع الإنسان من رؤية
وجهه بلا سبب...

أعلى الصفحة |